علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
71
الصداقة والصديق
وكان كلامه أتمّ من هذا وأنفس ، ولكني ظفرت بهذا القدر فرويته على ذلك ، [ الصديق لفظ بلا معنى ] وقول هذا الحكيم شبيه بقول روح بن زنباع وقد سئل عن الصديق فقال : لفظ بلا معنى ، أي هو شيء عزيز ، ولعزته كأنه ليس [ بموجود ] ، ولو جهل معنى الصديق لجهل معنى الصاحب ، لجهل معنى الخليل ، وعلى هذا ، الحبيب ، والرفيق ، والأليف ، والوديد ، والمؤاخي ، والمساعد ، وهذه كلها على رزدق « 1 » واحد ، وإنما تختلف بالمرتبة في الأخص ، والأعم ، والألطف ، والأكثف ، والأقرب ، والأبعد ، والأخلص ، والأريب . [ الصديق عند الضيق ] قال الإسكندر لديوجانس : بم يعرف الرجل أصدقاءه ، قال : بالشدائد ، لأن كلّ أحد في الرخاء صديق . [ بين الحسد والمكر ] قيل لديوجانس : ما الذي ينبغي للرجل أن يتحفظ منه ؟ قال : من حسد أصدقائه ، ومكر أعدائه . [ قضاء الحاجة ] قيل لثيفانوس الفيلسوف : من صديقك ؟ قال : الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشدّ مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها منه . [ الحسرة على الصديق ] قال فيلسوف : ليس يحسر « 2 » العاقل على الصديق ، لأنه إن كان فاضلا تزيّن به ، وإن كان سفيها راض حلمه به . قال انكساغورس : كيف تريد من صديقك خلقا واحدا وهو ذو طبائع أربع « 3 » وفي مثله قال الشاعر : وأنّى له خلق واحد * وفيه طبائعه الأربع
--> ( 1 ) ج ق - باج . الرزدق : الصف من الناس ، والسطر من النخل . ( 2 ) حسر : تلهّف . ( 3 ) هي الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة .